محمد جمال الدين القاسمي

381

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

ومشيئته ، ومن كان هذا شأنه لم يتصور مجانسته لشيء . ومن حق الولد أن يكون من جنس الوالد . قال الراغب في تفسيره : نبه على أقوى حجة على نفي ذلك . وبيانها : هو أن لكل موجود في العالم ، مخلوقا طبيعيا ، أو معمولا صناعيا ، غرضا وكمالا أوجد لأجله . وإن كان قد يصلح لغيره على سبيل العرض ، كاليد للبطش ، والرجل للمشي ، والسكين لقطع مخصوص ، والمنشار للنشر ، وإن كانت اليد قد تصلح للمشي في حال ، والرّجل للتناول ، لكن ليس على التمام . والغرض في الولد للإنسان إنما هو لأن يبقى به نوعه ، وجزء منه ، لمّا لم يجعل الله له سبيلا إلى بقائه بشخصه ، فجعل له بذرا لحفظ نوعه . ويقوي ذلك ، أنه لم يجعل للشمس والقمر وسائر الأجرام السماوية بذرا واستخلافا ، لمّا لم يجعل لها فناء النبات والحيوان . ولما كان الله تعالى هو الباقي الدائم ، بلا ابتداء ولا انتهاء ، لم يكن لاتخاذه الولد لنفسه معنى . ولهذا قال سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ أي هو منزه عن السبب المقتضي للولد . ثم لما كان اقتناء الولد لفقر ما ، وذلك لما تقدم ، أن الإنسان افتقر إلى نسل يخلفه لكونه غير كامل إلى نفسه - بيّن تعالى بقوله لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أنه لا يتوهم له فقر ، فيحتاج إلى اتخاذ ما هو سدّ لفقره ، فصار في قوله لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ دلالة ثانية . ثم زاد حجة بقوله قانِتُونَ وهو أنه لما كان الولد يعتقد فيه خدمة الأب ومظاهرته كما قال وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً [ النحل : 72 ] ، بيّن أن كل ما في السماوات والأرض ، مع كونه ملكا له ، قانت أيضا ، إما طائعا ، وإما كارها ، وإما مسخرا . كقوله : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً [ الرعد : 15 ] ، وقوله وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [ الإسراء : 44 ] وهذا أبلغ حجة لمن هو على المحجة . ثم قال الراغب : إن قيل من أين وقع لهم الشبهة في نسبة الولد إلى الله تعالى ؟ قيل قد ذكر في الشرائع المتقدمة : كانوا يطلقون على البارئ تعالى اسم الأب وعلى الكبير منهم اسم الإله ، حتى إنهم قالوا : إن الأب هو الرب الأصغر وإن الله هو الأب الأكبر ، وكانوا يريدون بذلك أنه تعالى هو السبب الأول في وجود الإنسان ، وإن الأب هو السبب الأخير في وجوده وإن الأب هو معبود الابن من وجه أي مخدومه . وكانوا يقولون للملائكة : آلهة . كما قالت العرب للشمس : إلاهة . وكانوا يقصدون معنى صحيحا كما يقصد